الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
154
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والقصر في هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قصر حقيقي باعتبار وصف الفوز بعظيم . [ 73 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 73 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 73 ) لمّا أشعر قوله تعالى في الآية السابقة وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ [ التوبة : 68 ] . بأنّ لهم عذابين عذابا أخرويا وهو نار جهنم ، تعيّن أنّ العذاب الثاني عذاب دنيوي وهو عذاب القتل ، فلمّا أعقب ذلك بشنائع المنافقين وبضرب المثل لهم بالأمم البائدة ، أمر نبيئه بجهاد المنافقين وهذا هو الجهاد الذي أنذروا به في سورة الأحزاب [ 60 ، 61 ] في قوله : ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا فبعد أن أنذرهم اللّه بذلك فلم يرتدعوا ومضى عليهم من المدّة ما كشفت فيه دخيلتهم بما تكرّر منهم من بوادر الكفر والكيد للمسلمين ، أنجز اللّه ما أنذرهم به بأن أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم بجهادهم . والجهاد القتال لنصر الدين ، وتقدّم في قوله تعالى : يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ في سورة العقود [ 54 ] . وقرن المنافقون هنا بالكفار : تنبيها على أنّ سبب الأمر بجهاد الكفار قد تحقّق في المنافقين ، فجهادهم كجهاد الكفار ، ولأنّ اللّه لمّا قرنهم في الوعيد بعذاب الآخرة إذ قال : وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ [ التوبة : 68 ] وأومأ قوله هنالك بأنّ لهم عذابا آخر ، لا جرم جمعهم عند شرع هذا العذاب الآخر لهم . فالجهاد المأمور للفريقين مختلف ، ولفظ ( الجهاد ) مستعمل في حقيقته ومجازه . وفائدة القرن بين الكفّار والمنافقين في الجهاد : إلقاء الرعب في قلوبهم ، فإنّ كلّ واحد منهم يخشى أن يظهر أمره فيعامل معاملة الكفار المحاربين فيكون ذلك خاضدا شوكتهم . وأمّا جهادهم بالفعل فمتعذر ، لأنّهم غير مظهرين الكفر ، ولذلك تأوّل أكثر المفسّرين الجهاد بالنسبة إلى المنافقين بالمقاومة بالحجّة وإقامة الحدود عند ظهور ما يقتضيها ، وكان غالب من أقيم عليه الحدّ في عهد النبوءة من المنافقين . وقال بعض السلف جهادهم ينتهي إلى الكشر في وجوههم . وحملها الزجّاج والطبري على ظاهر الأمر بالجهاد ، ونسبه الطبري إلى عبد اللّه بن مسعود ، ولكنّهما لم يأتيا بمقنع من تحقيق المعنى .